(( تنبيه : قد يتم كشف بعض أحداث الرواية هنا . ))
عودة الغائب .. لم أتوقع إنهاءها في أقل من 36 ساعة . ولا أتوقع أن هذا يعود لقوتها , بل لأنني كنت أريد الإنتهاء منها في أسرع وقت ممكن , أملاً في الإنتقال إلى ما هو أفضل.
ولا يلغي هذا استمتاعي - بعض الشيء- بما في الرواية من تماسك و ترابط ..
ولا ينسيني هذا – الإستمتاع - أنني بالرغم من قراءتي لـ 450 صفحة ( مجموع الروايتين , حكومة الظل و عودة الغائب) شعرت بخوااااء كبير في عقلي و روحي , وكأني والله ما قرأت كتاباً ولا صفحة من كتاب. إذ لم اجد فائدة من الروايتين إلا الترفيه و الهرب قليلاً من تسارع حياتي. و أغلب ظني أن مثل هذه الروايات يميل إليها الكثيرون – نفسياً – لأن أحداثها متسارعة جداً , مما يجعلنا نشعر بأن حياتنا بطيئة – وهي ليست كذلك مطلقاً – فيصيبنا بعض الشعور بالإسترخاء , وكأننا نشاهد ذبابة تدور حول نفسها و حولنا ألف مرة بينما نحن نسير بسرعة 120 كيلو بسيارة , فننسى أننا نسير بهذه السرعة أساساً لأننا منشغلون بنش الذباب.
نعود لمنذر و روايته .. ( بالمناسبة أنا أعشق مناداة من يحصلون على الدكتوراه بدون لفظ أو ذكر كلمة دكتور .. وليعذرني منذر على ذكري لإسمه مراراً دون ارفاق حرف الـ ( د. ) قبل اسمه كما في غلاف رواياته ).
نجح منذر في الحفاظ على تماسك الرواية حتى نهايتها . ولم يقع في فخ توضيح الكثير من الرواية السابقة ( حكومة الظل ) إذ ركز على الشخوص الجديدة بشكل جيد. دون سرد ماضي نعيم وزان مع مدرسه ععبدالقادر و جده خليل وزان. وكأنه كان يعلم مسبقاً بأن معظم من سيقرؤون عودة الغائب كانوا قد سبق و مروا على حكومة الظل , وليسوا في حاجة لتكرار تفاصيل شخوصها. ولكنه وقع في فخ ثاني لا يقل مأزقاً عن الأول .. إذ ظل يعيد و يزيد في أحداث (عودة العائب) كلما تقدم في الأحداث و تبدلت الشخوص , كأنه يريد تذكير القارئ بما قد فات و مضى , وهذا قد اضاف بحد أدنى 50 صفحة "زايدة" \ ( فوق البيعة ) كما تقول احدى شخوصه التي تمارس بعض الأحيان حق التلفظ بجمل تفقع المرارة. ( سأعود لهذا الموضوع لاحقاً ) ... لم يثق منذر في قدرات القارئ على الربط بين الأحداث , فظل يذكرنا بما حصل مع أبطاله في مبتدأ الكثير من الفصول. وبالنسبة لي لم أحبذ هذه الطريقة التي تخفض من رتم الأكشن –الذي يعتبر أساس مثل هذا النوع من الروايات- خاصة إن لم يكن استرجاع هذه الذكريات والأحداث مرفق مع تحليل نفسي لشخوصه أو بعد جمالي في اللغة الأدبية التي تغور في نفوس ابطال الرواية و تكشف عن تساؤلاتهم. ولا يخفى على الجميع أن لغة منذر سطحية جداً , وهذه من المفارقات الطريفة بعض الشيء , إذ تعتمد مهنة منذر – الجراحة – على التوغل داخل الجسد البشري , بينما لا يقدر على التوغل داخل البنية اللغوية أو داخل النفوس البشرية التي يتم التعامل معها في الروايات " باللغة " و ليس بالمشرط.
نعود ثانية لمنذر و روايته ..
- منذر . منذر . منذر . كان يجب أن تخوض فيما لا يعنيك. تماما مثل ما فعل كثيرون غيرك , وها هو مصير الأستاذ يلحق بتلميذه. ألم يكن أجدى لك لو أنك حصرت جهدك في أعمالك "الجراحية" , بدلا من الخوض في أمور فوق رأسك , لا طاقة لك أنت بها وبتبعاتها. (مستوحى من المشهد الختامي في روايته , عندما يقع نعيم البطل في براثن "المجرمين" )
طبعا لا أنكر جهد منذر في رواياته , لكن يا أخي لا تنسى أنك في النهاية تكتب " رواية " و الرواية تنتمي لعالم الأدب. فلا يصح أن تضع كل قواك و جهدك على حبك الأحداث و تتغاضى عن جمال اللغة و التعمق في نفوس شخوصك , و جمالية المكان .. جمالية المكان يا منذر الذي تتجول فيه شخوصك العاشقة للسفر .. بيروت , دبي , لندن , السعودية , ماليزيا , تركيا , أين أيضاً ؟
لا أريد منك وصف بارد مكرّر حين تنفث شخوصك دخان سيجارهم الكوبي - الي رجيتني بيه - أريد بضع كلمات فقط , تضع فيها بعض الجهد , بعضاً من نبضك , لتصف روح المكان , وليس ظاهره يا منذر .
أما الأخطاء اللغوية و الإملائية فهذه باتت بصمة واضحة في رواياتك .. يا سيّدي إن لم يكن لديك الوقت في التدقيق اللغوي فادفع لشخص أو " زبّط " دار النشر عشان يتكفلوا بهذا الموضوع \ الواجب .
ولا تجاوبني و تقول :
- لماذا تريدنا مراجعة الأشعة ؟ (( مقتبس من أحد حوارات الرواية المكلّجة ))
وبعدين ياخي كيف تثق منال – زوجة فؤاد شوكت – بكمال أغلو , و تعطيه مفتاح خزنة زوجها البليونيرعشان يدوّر فيها على أوراق يبغاها ؟ لا تقلي عشان زوجها كان بيحتضر في المستشفى فما قدرة تروح بنفسها تدور على الأوراق. ولا تقلي إنها ما كانت تقدر ترسل أي أحد معاه – شرطة مثلاً , وإن كان لا ينبغي الوثوق حتى في الشرطة على هكذا خزنة – على الأقل .
أما تعطيه المفتاح وتقله إنت صديقنا الصدوق و " هاكونا ماتاتا " و فداك الخزنة و البيت فتش فيهم كما تشاء. فدي قوية يا منذر , كان لا بد من بعض الأعمال الجراحية على هذا المقطع. وبصراحة ما انكر اني هنا وفي الصفحة 188 كانت أول لحظة أتفاعل فيها مع النص و أنقهر على تصرف أحد الشخوص . ودي نقطة جيدة برغم انه الي حركها شيء غير مقنع .
وبعدين كيف يعني ( واستمر التصفيق والتهليل قرابة خمس دقائق لحظة اعتلاء سمير رحال لتلقي الجائزة ) ؟ يا رجل مارتن لوثر كينج لم تصمد أيدي جمهوره كل هذا الوقت ! بالله جرب تصفق لمدة خمسة دقائق . 300 ثانية ! لا يقدر على مثل هذا سوى راقصين المزمار وهم يتغنون بعريس الغفلة. - صراحة لا أنكر إني سأدخل لاحقاً إلى محرك البحث للتأكد من أطول مدة تصفيق جماهيري في العالم , فقد أجد إسم سمير رحال !
أما السؤال الأكبر – الي ما اعتقد أحد حيجاوبه أو يحل طلاسمه , حتى نعيم وزان – إيش علاقة دلال و دولي و جمال في الرواية ؟ و كيف دلال هي الي يكون لها الحضور الأكبر في المشهد النهائي و تقتل و تنتحر . مني فاهم ؟
الملاحظات كثيرة يا منذر , وأنا شخصياً ثرثرتي أكثر في هذا الصباح ( ربما لأني أكتب رأيي من الكمبيوتر وليس من الأجهزة اللوحية) .. ولا أدري إن كان يحق لي القول بعد كل هذا :
- يجب أن أختصر الآن !
ومع كل ذلك .. لا أنكر أني فخور بتواجد كاتب مثلك في الوطن العربي , إذ التمست صدقك في رواياتك – أقصد صدق نيتك وليس صدق الروايات – و كل ما كتبته هنا وُجِد لأسباب عديدة , كان أحدها أني أحببتك (( والله أحس إني قلبت رومنسي )) لكن بالفعل منذر إنسان لطيف .
أرجوك لا تسخر مني قائلاً :
- يا لها من كلمات مؤثرة , إنها تذكرني بالمسلسلات الرمضانية ! ( مقتبس من المشهد الأخير في الرواية لحظة التقاء كل الشخوص ببعضها , على لسان نعيم وزان البطل )
نعود مرة ثالثة إلى الرواية .. عجبني فيها بضعة مقاطع , ومن العدل أن أذكرها كما تم ذكر ما لم يعجبني :
- النساء قد يتشابهن في المساء . ص122 ( هذه الجملة الوحيدة الي طربتني في حوارات الشخوص )
+ نهاية ص 134 و بداية ص 135 ( الحديث عن تبديل جلد الطوائف و دخولها في طوائف أخرى لتضمن إستمرارها )
+ أسطورة " نقطة آرخيليس " في بداية ص 148 .. جميلة جداً , وإرفاقها كان موفق مع النقطة التي كتبت بعدها .
في الأخير أشكر منذر على سعة صدره – إن قرأ هذه الثرثرة – وأشكره لأنه كتب , ويكفي أن نكتب و نكتب حتى نصل إلى ذلك الشيء البعيد. أو لحين عودة الغائب الذي لم يعد حتى الآن في الرواية .
و أختم بجملة مقتبسة من نص الرواية , حين قال فتى مغارة جعيتا لنعيم وزان :
- يبدو , وكأنك تأثرت برواية شيفرة دافنشي !