(مدن الملح2)
الرجال هم الذين يخلقون الأماكن , وهم الذين يتركون بصماتهم عليها , إذا اشتعلت عقولهم و قلوبهم بهمّ عظيم ,أما إذا أصبحوا يبحثون عن الماء و الظل والحياة السهلة فإنهم سيمضون مثل الحشرات دون أن يخلفوا أثرًا.
الشعوب الغنية نوعان , منها من اكتفى بالمال السهل الذي يتدفق بين يديه ويسرف منه كيفما يشاء , ومنهم من لم تغنه الأموال عن الحس الوطني والدراية الكاملة لخدمة وطنه , منهم من رأى في المال غاية كبرى وصلت إليه , ومنهم من رأى فيه وسيلة مهة للمعرفة , لذلك الصنف الأول يقدم المُنيف ملحمته , لتلك الشريحة البسيطة المستكينة للدعة الفاقدة لأي هدف مهم أو غاية عظيمة , فهم قد اكتفوا بالمال السهل والمسكن الفاقد لأي قيمة والمعيشة التي لا تمت بصلة لتراثهم إلا في ظواهره فقط. تلك الشريحة التي تستحق التوبيخ , فوجه لها عبدالرحمن مُنيف سهام نقده اللاذعة.
ضرب المُنيف معوله الأول في (التيه) , فقدم تلخيص مميز لبداية معرفة البدو بثرواتهم الخفية , وكيف اندس العجم في وسطهم ليستولوا على مقدرات الشعب , ليس فقط مجرد سيطرة على رأس مال ولكن لتغيير ثقافة أمة بكاملها , ونتيجة لصلادة العُرب و قِدم عاداتهم وتقاليدهم التي اصطدمت بإبهار زائف لتكنولوجيا طاغية , فخرجت ثقافتهم ممسوخة مشوهة ظلت تتراوح بين الصلادة والتأثير فخرجوا بشر منسلخين عن أصولهم فاقدين لجذورهم الحقيقية.
في الأخدود : يقدم الكاتب تسلسل منطقي لقيام الدولة معتمدة على تدفق هائل لرؤوس أموال النفط , فأصبحت الأموال كثيرة تُصرف ببذخ , مما جذب لها الطامعين وطالبي الثروة لينهلوا من ذلك المورد الجديد , وعبر طبيب لبناني ذكي متملق يتناول المُنيف خطوات تكوين لدولة مهمِلة لمواطنيها , تبني القصور الباذخة و المباني العامرة وتهمل راحة الإنسان , دولة تضغط على سكانها لتخرجهم عن طبيعتهم وتحولهم بطريقة قلقة تثير الشفقة .
دولة كا(ن الناس فيها يعيشون حياة متواضعة , أقرب إلى الخشونة. يتوارثون أبًا عن جد نظرة بسيطة إلى الحياة و الموت, ولأنهم لا يؤملون كثيرًا من الحياة , ولا يخافون الموت , فإنهم خلال السنين التي يقضونها على الأرض يكدحون لانتزاع اللقمة , ومع أن اللقمة صعبة أو بعيدة أغلب الأحيان , فقد كانوا , مع ذلك , يجدون وقتًا طويلًا يصرفونه لتأمل ما حولهم , ويلهون أنفسهم بحفظ الشعر و آيات القرآن و قصص الأقدمين . وفي ليالي الصيف الطويلة يجدون أرواحهم ترحل إلى ما وراء الحياة و الموت , وعيونهم تجوب السماء تحدد مواقع النجوم و مسارها ,أو تقرأ في الرياح علائم الغبار و المصائب و الجراد. ) فأتت الموارد المالية الهائلة مع غزو عميق لظاهر الحضارة فأصبحوا معقدين بعد أن جاءتهم الثورة بشكل مفاجئ و دون استحقاق . كل واحد منهم يتصور نفسه ربًا من الأرباب , ويفهم كل شئ ,لذلك من العبث مناقشتهم أو التفاهم معهم حول أية قضية , و أصبح عنادهم الصلد موجه في الطريق الخطأ.
في الجزء الثاني من الخماسية الملحمية للمُنيف يشق الكاتب تاريخ الدولة بقلمه , فكأنها نهر جارف يكتسح في طريقه كل العادات والتقاليد ممهدة لتقدم وسائل الحياة لا الحياة نفسها فتولد الضغائن والبغضاء بين أبناء الأب الواحد وليس فقط أبناء الشعب الواحد.
عمل في غاية الأهمية , يستكشف دواخل النفس وتأثير المؤثرات المختلفة عليها فتخرجها من طورها المعتاد لنرى في الشخصيات أطوار مختلفة لم نكن لنتوقع وجودها .
لغة : في غاية السلاسة , ذلك السهل الممتنع الذي اشتقنا إليه , اللغة الحيّة الحبيبة لنفوسنا , المتمسكة بقوتها وصلابتها ولم تخل من سهولة ممتعة بسيطة لأي قارئ.
الشخصيات وتوصيفها كان من العظمة بمكان , تتغير بتغير الظروف والأحوال , مع تقديم كامل لأبعاد الشخصية بلا أي نقص لتعيش مع الشخصيات كأنك تعيش مع فرد من عائلتك , فإن بدر من شخصية فعل ما توقعته وتوقعت أسبابه.
في المجمل : عمل مباشر وصريح , يقدم لك تاريخ أمة انسلخت عن تراثها ومورثاتها حتى المقدسة منها , لتواكب تقدم لم تنجح من الاستفادة منه بالصورة اللائقة , عمل صادم عن مجتمع يشبه الكثير من المجتمعات , فخرج يناسبهم كلهم.